حاول ديفيد بن غوريون، أوّل رئيس وزراء إسرائيلي، طمأنة الإسرائيليين إلى أنّ الفلسطينيين لن يعودوا أبداً إلى ديارهم. فقد قال "يجب أن نفعل كل ما بوسعنا كي لا يعودوا أبداً... كبارهم سيموتون وصغارهم سينسون". كان مخطئاً جداً، فلا وجود لكلمة "نسيان" في القاموس الفلسطيني. لقد تحمّلوا طوال 63 عاماً مشقّات مريعة وتعرّضوا لإذلال لا يُحتمَل وحاربوا من أجل الحرّية متسلّحين فقط بالحجارة وبأيديهم العزّل. وللأسف فكأنهم لا يكفيهم مواجهة عدواً همجيا لا يرحم، فإن قادتهم قد خذلوهم أيضا.
كانت للراحل ياسر عرفات أخطاؤه، إلا أنه كان وطنياً عظيماً أحبّ شعبه بكل صدق وأمانة. لم يألُ جهداً من أجل إرساء "سلام الشجعان" مع إسحق رابين. لكن عند وصول جورج دبليو بوش إلى السلطة، تحوّل الرجل الذي كان الأكثر تردّداً على البيت الأبيض في عهد كلينتون، منبوذاً من الأمريكيين فيما أبقاه الإسرائيليون سجين المجمّع الذي كان يقيم فيه في رام الله تحت القصف الإسرائيلي.
لم يتمكّن عرفات من تحقيق ما يصبو إليه لأنه رفض المساومة على مستقبل أطفال فلسطين. بيد أنه كسب ولاء شعبه وكان يتحدّث الى حد كبير بإسم جميع الفلسطينيين. وهذا ما لا ينطبق على خلفائه في الحكم. فرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء سلام فياض يفتقران إلى الكاريزما، كما أنهما خسرا دعم الناخبين لأنهما وضعوا ثقتهم المطلقة في الوسيط الأمريكي.
ويتبّين بحسب "الأوراق الفلسطينية" التي نشرتها قناة الجزيرة أنهما كانا مستعدَّين للقبول بأيّ فتات يسقط عن المائدة الإسرائيلية، وللتنازل عن حق العودة للاجئين. علاوةً على ذلك، كانا على علم مسبق بعملية "الرصاص المصبوب" التي شنّتها إسرائيل في غزة، و"عرقلا" في تصرّف مخزٍ، وتحت تأثير الضغوط من إدارة أوباما، قراراً كان سيصدر عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعم تقرير غولدستون عن جرائم الحرب التي ارتُكِبت خلال ذلك الهجوم.
ولا تتمتّع "حماس" من جهتها بمصداقية كبيرة للتفاوض على #السلام، لا سيما وأنها تحظى بالتمويل من إيران كما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا واليابان صنّفتها في خانة المنظّمات الإرهابية. وهذا يتوافق بالطبع مع ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه لن تكون هناك مفاوضات سلام مع أي سلطة فلسطينية تضم أعضاء من "حماس".
إذاً الفلسطينيون، إلى أين؟
يتعيّن على "فتح" وحماس" أن تضعا شعبهما قبل طموحاتهما السياسية وتقرّا بالفشل. لا يمكن هدر الوقت فيما تستمرّ إسرائيل في توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وطرد الفلسطينيين من القدس الشرقية. نسبة الاثنين والعشرين في المئة من الأراضي التي يجب أن يحصل عليها الفلسطينيون بموجب اتّفاقات أوسلو تتقلّص عاماً بعد عام، وعلى الأرجح أن حل الدولتين لن يعود في وقت قريب قابلاً للحياة.
فكّرت ملياً في هذا المأزق وأقترح خياراً عملياً: ينبغي على الحكومة الفلسطينية الحالية أن توافق على الاضطلاع بدورها كحكومة تصريف أعمال مسؤولة عن تسيير الشؤون اليومية لشعبها. وفي الوقت نفسه، عليها أن تعمل مع شخصيات فلسطينية وطنية من مختلف أنحاء العالم وذلك لتعيين لجنة تكون مسؤولة حصراً عن التفاوض على #السلام.
ويجب أن تتألّف هذه اللجنة من فلسطينيين محترمين يجري اختيارهم على أساس ولائهم وسمعتهم وسيرتهم الذاتية بدلاً من اختيارهم على أساس حساباتهم المصرفية أو المحسوبيات. ويجب أن يخضع كل المرشحين للانضمام إلى اللجنة للتدقيق، للتأكد من عمق إنتمائهم الوطني ولقضايا شعبهم، ومن المشهود لهم بالنجاح المهني.
ويمكن أن تضمّ هذه اللجنة التي تملك سلطة لا رجوع عنها بالتفاوض باسم كل الفلسطينيين، ممثّلاً رفيعاً عن مجلس التعاون الخليجي. ومن أجل إطلاق عمليّة التفاوض، يمكن أن تنظّم السلطة الفلسطينية وهيئات فلسطينية أخرى مؤتمراً – تحت مظلّة مجلس التعاون الخليجي إذا رغبت في ذلك – يشارك فيه المرشّحون المؤهَّلون للانضمام إلى اللجنة. ومن أجل إضفاء شرعيّة على المرشّحين المنتخبين، يجب تنظيم استفتاء في القدس والضفة الغربية وغزة وكذلك في بلدان الشتات تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة التي تمتلك سجلا كاملا لجميع الفلسطينيين. ومن شأن اللجنة أن تتمتّع، بفضل الدعم الملتزِم من السعودية ودول الخليج العربي كافة، بنفوذ دولي أكبر بكثير من كل ما تمتّعت به السلطة الفلسطينية حتى الآن.
يجب أن تستند كل المفاوضات إلى حدود 1967 مع اعتماد القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية الجديدة. حق العودة راسخ في قرارات الأمم المتحدة، ويجب أن يكون غير قابل للتفاوض. لا يجوز أبداً المساومة على هذه المبادئ الأساسية.
يجب تفكيك جدار الفصل الإسرائيلي، والحل الأمثل هو إخلاء المستوطنات اليهودية التي شُيِّدت على الأراضي الفلسطينية قبل تسليمها إلى السلطة الفلسطينية لإيواء السكّان الفلسطينيين الذين يزدادون عدداً. وكي تتمتّع الدولة الجديدة بالازدهار، يجب إعداد "خطة مارشال" مع البلدان التي تتحمّل المسؤولية الأولى في تمويل الكارثة التي حلت بالفلسطينيين.
على صعيد آخر، ينبغي على البلدان العربية التي تستضيف لاجئين فلسطينيين أن تبدأ بمعاملتهم على أنهم بشر لا بيادق سياسية. هناك نحو ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني في الأردن وسوريا ولبنان، ولا تزال أعداد كبيرة منهم تعيش في مخيّمات بائسة بالكاد يتوافر فيها الحدّ الأدنى من المنشآت التربوية والطبّية. وقد حُرِم كثر بينهم الحق في العمل أو امتلاك أرض؛ وعدد كبير منهم لا يملك جنسيّة.
لم تنفكّ الحكومات تقطع لهم وعوداً بأنهم سيعودون يوماً ما إلى ديارهم. ربما يكون هذا مثالياً للمتقدّمين في السن الذين لا يزالون يحملون مفاتيح منازل لم تعد موجودة أصلا، لكن يجب أن تتضامن الجهود لضمان الحياة الكريمة للأطفال الفلسطينيين.
يحتاج الفلسطينيون الذين يعيشون داخل المخيّمات إلى إنقاذ عاجل. يجب منحهم الجنسيّة الكاملة، وإذا سنحت لهم الفرصة للعودة إلى ديارهم ذات يوم، يجب أن يكون قرار العودة أو البقاء في أيديهم. إنه لرياء أن يتذمّر القادة العرب من الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع الفلسطينيين في الوقت الذي حكم فيه العرب على الكثير من إخوتهم الفلسطينيين بعيش حياة من البؤس والشقاء. هل يعقل أن يسمح شخص قادر أن يعيش أخيه حياة بؤس وشقاء، وأن يشرب مياهاً ملوَّثة أو يقطن في مخيّمات من الصفائح تغزوها الجرذان؟
ثمة حاجة إلى أفكار جديدة والتزام قوي من العالم العربي من أجل التمكّن من تحقيق الأحلام الفلسطينية. لقد ولّى زمن الحرس القديم، وحان الوقت لبروز وجوه ديناميكية جديدة مستعدّة للتشمير عن سواعدها والتفكير بطريقة غير تقليدية.