خاض المصريون إنتفاضتهم التي أطاحت برئيسهم وبالجزء الأكبر من الحرس القديم المقرّب منه، وحريّ بهم أن يتطلّعوا الآن إلى إنتخابات حرّة ونزيهة تشارك فيها مختلف الأحزاب في نوفمبر المقبل. فانتفاضتهم تملك المقوّمات التي يمكن أن تجعل منها قصّة ناجحة؛ يعبّر الشعب عن رأيه لأوّل مرّة، وعلى الرغم من أن الاقتصاد #لا يزال متزعزعاً، تتدفّق عروض المساعدات الاقتصادية/الإعفاء من الديون من دول مجلس التعاون الخليجي والقوى الغربية. لكن بدلاً من استثمار الإرادة الطيّبة في الداخل والخارج، يبدو أن فئات مختلفة من الناس الذين #لا يزالون يروق لهم مذاق سلطة الشعب، مصممّة على تقسيم البلاد.
عدد كبير من المصريين العاديين الذين ألقوا بثقلهم خلف الثوّار الشباب في مطلع هذا العام ضاقوا ذرعاً بما يجري. إنهم يتطلّعون إلى غد أكثر إشراقاً وهم مستعدّون للتحلّي بالصبر من أجل تحقيق أهدافهم المشتركة. لقد سئموا من "أيام الغضب" و"الثورات الثانية" و"مسيرات المليون". وملّوا من تحمّل زحمة السير كل يوم جمعة بسبب اكتظاظ الساحات بالناشطين الذين ينظّمون اعتصامات والشبّان الذين ليس لديهم ما يفعلونه ويستغلّون أجواء الفوضى القائمة.
بيد أن الناس المتلهّفين للأمن والاستقرار والازدهار معرّضون لخطر أن تتبدّد آمالهم بسبب الفوضويّين والناشطين الساعين وراء السلطة والأحزاب التي تطبّق أجندات تخدم مصالحها الخاصة – والمفكّرين النخبويين الذين يتجنّبون السياسة الحقيقية ويتّجهون بدلاً من ذلك نحو الأيديولوجيات غير الواقعية. مطالبهم متنوّعة. فالهم الأوّل للبعض هو الانتقام من رموز النظام السابق وعناصر القوى الأمنية.
لم يكتفوا بتوقيف حسني مبارك وإبنَيه أو بصدور أحكام بحق العديد من الوزراء السابقين وأزلام النظام الفاسدين، فهم يطالبون بمحاكمات سريعة وبإنزال إشدّ العقوبات بضباط الشرطة المشتبه في ضلوعهم في مقتل المتظاهرين تنفيذاً للأوامر التي تلقّوها. ويطالب آخرون بوضع حد للحجز لدى السلطات العسكرية والمحاكم العسكرية.
بيد أن آخرين غير راضين عن التغييرات التي أُلحِقت سابقاً بالدستور، ويطالبون بدستور جديد قبل الانتخابات في نوفمبر المقبل لقطع الطريق أمام إمكان سيطرة "الإخوان المسلمين" وأحزاب إسلامية أخرى على النتائج. وقد عيّن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لجنة مكلَّفة وضع مسوّدة دستور جديد يمنح الجيش مسؤولية تأمين الوحدة الوطنية والحفاظ على الدولة العلمانية. لكن أعضاء اللجنة رفضوا منح الجيش صلاحية التدخّل في السياسات التي تضعها أي حكومة منتخَبة في المستقبل.
أما مصدر الخطر الأكبر فهم أولئك الذين يدعون إلى استقالة المشير حسين طنطاوي متّهمين إياه وزملاءه بخيانة مبادئ الثورة. حتى الآن، فعل الجيش كل ما بوسعه لإظهار تضامنه مع الناس وسمح لهم بالتظاهر من دون أي عوائق. في 8 يوليو الجاري، عندما كان المتظاهرون ينصبون الخيم في ساحات القاهرة والإسكندرية وبور سعيد وطنطا وأسوان، راح الجنود يوزّعون زجاجات المياه عليهم وينادون "الناس والجيش يداً بيد" وسط هتافات المحتجّين "ليسقط الحكم العسكري".
صُعِقت عندما رأيت ضابطاً يتعرّض لقلّة احترام شديدة عندما حاول التكلّم مع قادة الاحتجاج في ميدان التحرير خلال التظاهرات المتلفزة التي نُظِّمت يوم الجمعة الماضي. كانت القوات المسلّحة المصرية مصدر اعتزاز لمصر والعالم العربي برمّته، لكن منذ الثورة، وعلى غرار الحكومات الانتقالية، جل ما فعله الجيش المصري هو الإذعان لأهواء المتظاهرين. وهذا الاستعداد للانصياع #لا يجعل الجيش يبدو ضعيفاً وغير فاعل وحسب، بل يترك أيضاً الناس الشرفاء من دون حماية حقيقية.
أتفهّم أن القادة العسكريين يريدون تجنّب الصدامات العنيفة مع الناس التي يمكن أن تؤدّي إلى إنقسام دموي، لكن #يجب ألا يسمحوا لكل من يدّعي التكلّم باسم الشعب المصري تقويض سلطتهم عند كل منعطف.
في الواقع، وبانتظار حدوث الانتخابات، #لا يحق لأحد أن يدعي أنه يمثّل إرادة الناس. لكنني أرى العديد من الأشخاص المجهولين الذين يُقدِّمون أنفسهم قادة لهذه المجموعة أو تلك خلال مقابلات تجريها معهم قنوات عربية، ويتكلّمون وكأنّهم حصلوا على تفويض. #لا يجيدون سوى التذمّر والشكوى، ونادراً ما تكون لديهم رؤية حقيقية. أصبحت الثورة لعبة إلكترونية بالنسبة إليهم. وبصراحة، أشعر بغضب واشمئزاز كبيرَين لرؤية "#مصر العظمى" تُعامَل بهذا الطيش على يد تفهاء متغطرسين وغير مؤهلين. إذا كان مستقبل البلاد يقع على أكتاف هؤلاء الأشخاص، أياً تكن هويّتهم، فسوف يكون "تحرير" #مصر مهزلة ووصمة عار على جبين كل عربي أبيّ.
الثابتة الوحيدة في #مصر هي الجيش الذي فشل معارِضوه في فهمه أو الذين تتلاعب بهم جهات خارجية تريد أن ترى #مصر ضعيفة أو مجزّأة أو حتى منقسمة إلى اثنين كما السودان. أعداء #مصر كثر، وسوف يفعلون كل ما بوسعهم كي #لا ينهض البلد العربي الأكبر قوياً من جديد، ويستعيد دوره في قيادة العالم العربي، مما يُطلق يد إسرائيل وإيران في المنطقة ويسمح بتدخّل الدول اللاهثة وراء النفط، كما يحصل الآن في ليبيا بسبب الأنانية المتعنّتة التي يُظهرها معمر القذافي.
إذا سقطت #مصر، فستنهار الأمة العربية معها، وسوف يصبح الخليج أكثر هشاشة من أي وقت مضى حيال القوى الخارجية.
بدلاً من الوقوف والتفرّج، يتعيّن على القادة العرب العمل مع كبار القياديين المصريين الذين يتمتّعون بحس المسؤولية، سواء كانوا عسكريين أم مدنيين، للحفاظ على لحمة البلاد وسلامة أراضيها. وينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي في شكل خاص أن تساعد السلطات المصرية على ضبط الفوضى، وأن ترجئ إرسال المبالغ الطائلة من المساعدات الاقتصادية حتى يتّضح مَن المسؤول عن زمام الأمور في البلاد حرصاً على عدم وصول الأموال إلى جيوب فاسدة.
أنا على يقين من أن المصريين العاديين الذين يجدّون في العمل سيرتاحون عندما يعلمون من يتولّى زمام الأمور في بلادهم؛ ولا يسعني سوى أن آمل في أن يحسنوا الاختيار. وحدها القيادة القويّة والمتمرّسة المستعدّة لقيادة الدفة بحزم ومسؤولية والتي #لا تهاب التصدّي لمثيري الشغب كفيلة بأن تمنح هؤلاء المصريين الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي التي يتوقون إليها.