يجب الحكم على ترامب بناءً على النتائج وليس الأسلوب

نُشرَت: 13 نوفمبر 2018
Comment
Email
Print
Download
يجب الحكم على ترامب بناءً على النتائج وليس الأسلوب
Mark Reinstein / Shutterstock © Getty Images

عدت مؤخراً إلى الإمارات بعد زيارة قمت بها إلى الولايات المتحدة حيث تلقيت دعوة لإلقاء كلمة أمام قادة مشاركين في المؤتمر السنوي الـ27 لصنّاع السياسات العرب-الأمريكيين في العاصمة #واشنطن. لم تكن المناسبة مجرد فرصة لعرض وجهة نظري حول السياسة الأمريكية في العالم، فقد تبادلت الحديث أيضاً مع صنّاع قرارات ووجوه من مختلف مشارب الحياة، ما ساهم في تنويري على المستوى الشخصي وأتاح لي الاطلاع على أفكار وآراء متنوّعة.

كانت الأجواء إيجابية عموماً. لمست عن كثب تجدّد الحماسة والنبض الإيجابي. وكانت مفاجأة سارة لي. لسوء الحظ، لا تغطّي وسائل الإعلام مختلف الأمور الجيدة التي تحدث وتعود بالفائدة على الأمريكيين، بل تفضّل أن تخصّص هواء أثيرها وأعمدة صفحاتها لانتقاد الحلول غير التقليدية التي يلجأ إليها الرئيس الأمريكي لمعالجة المشكلات، ويضعون كل كلمة يتفوّه بها تحت المجهر أو يسعون إلى نبش الماضي وإخراج القذارة منه.

لمست لدى الأشخاص الذين التقيتهم في #واشنطن ونيويورك وغيرهما من المدن الأمريكية طاقة جيدة وأملاً بأن المستقبل يحمل آفاقاً أفضل. كانت الأجواء مختلفة قبل عامَين خلال المرحلة التي سبقت الانتخابات الرئاسية، عندما كانت الشكوك والسلبية تطغى على النقاشات حول فوز #ترامب المحتمل بالرئاسة. كانت تلك المخاوف مفهومة. لم يكن #ترامب يمتلك خبرة في المنصب العام. قطع وعوداً بتغيير الأمور رأساً على عقب... وهذا بالضبط ما يفعله من دون الخضوع لأي أعراف معهودة.

عندما أعلن #ترامب عن ترشحه عام 2015، شعرت بالسرور. لطالما اعتبرت أن أمريكا بحاجة إلى رئيس من خارج الحلقة المعتادة للمحامين أو موظفي الخدمة المدنية المتخرّجين من أعرق الجامعات. كنت من المؤمنين بشدة بأن رجل الأعمال الناجح الذي يتمتع بسجل حافل من الإنجازات يستطيع أن يحقق أداء أفضل على الصعيد الإقتصادي، وكنت آمل بأن الرئيس الموجَّه نحو الاقتصاد لن يكون متسرّعاً مثل أسلافه ليجرّ الكرة الأرضية إلى حروب عقيمة في #الشرق_الأوسط.

في أغسطس 2015، عبّرت عن آرائي في مقال بعنوان "#ترامب، نسمة هواء منعشة وسط الزمرة المعتادة". وبعد فوز #ترامب في الانتخابات، ناشدت الأمريكيين عدم استعجال الحكم على الأمور في مقال بعنوان "الرئيس المنتخب #ترامب يستحق فرصة". وكتبت آنذاك: "ينبغي على أمريكا أن تجري مراجعة ضمير لتحديد الأسباب التي أدّت إلى تفوّق مرشح من خارج التركيبة السياسية على شخصية سياسية متمرّسة في رصيدها عقوداً من الخبرة. واقع الحال هو أن المنظومة خذلت الملايين من الأمريكيين المكافحين الذين رفضوا في الثامن من نوفمبر الوضع القائم...".

لكنني ومع ذلك لم أدعم الرئيس #ترامب بشكلٍ أعمى. فأنا أوجّه انتقادات شديدة لبعض قراراته في السياسة الخارجية، لا سيما الحظر المثير للجدل الذي فرضه على المسلمين، وتسليمه #القدس أحادياً إلى #إسرائيل لتصبح عاصمة لها – في خطوة مضللة أحدثت شرخاً عميقاً بين الإسرائيليين والعرب، ولقيت معارضة من عدد كبير من اليهود الأمريكيين.

مما لا شك فيه أن #ترامب لا يحظى بشعبية لدى عدد كبير من قادة العالم بسبب سياساته المفتوحة والعلنية القائمة على مبدأ "أمريكا أولاً". تُحرّكه مشاعر وطنية قوية وهو من المؤمنين بأن السخاء الأمريكي تعرّض للاستغلال الشديد وجرى التعامل معه وكأنه أمر مسلّم به.

إنه شديد الشفافية. يتكلم بصراحة. وكان صادقاً في تعامله مع منظمة حلف شمال الأطلسي (#الناتو) وأوروبا، مشيراً إلى أن أمريكا لن تستمر في حماية #أوروبا مجاناً. لا ضير في حماية أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في الوقت الذي يواجه عدد كبير من الأمريكيين صعوبة في تأمين معيشتهم. وقد أُدينَ أيضاً على نطاق واسع بسبب موقفه المتشدد من الهجرة غير الشرعية.

أتعاطف مع الفقراء، والعائلات البائسة التي تتجه نحو الحدود الجنوبية لأمريكا أملاً بالدخول إلى الولايات المتحدة والحصول على اللجوء. لا أحد يريد أن يكون مكانهم، إنما لا تستطيع أي دولة أن تسمح بدخول قوافل تضم الآلاف عبر حدودها من دون التدقيق فيهم. إنه محق في حظر دخول المهاجرين غير الشرعيين، مع إعطاء الأولوية للمهاجرين الذين يتقيدون بالقوانين والتنظيمات. يجب مساعدة بلدان أمريكا الجنوبية التي تتخبط في المشكلات الاقتصادية وترزح تحت وطأة عنف العصابات، من أجل توليد أجواء من الازدهار والأمان.

والرغبة التي أعلن عنها #ترامب بمنع حصول الأطفال المولودين من أبوَين غير أمريكيين على الأراضي الأمريكية، على الجنسية الأمريكية تلقائياً، هي خطوة إضافية لحماية الأمريكيين. في حالات كثيرة، تسافر النساء الحوامل إلى الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة من الحمل بغية الحصول على جواز سفر أمريكي للمولود الجديد ولاحقاً لجميع أفراد العائلة.

ربما يعترض العالم على مواقف #ترامب من مسائل كثيرة، لكن كل ما يفعله مناسب لأمريكا، وهو لا يخفي ذلك بل يجاهر به. بالطبع، ارتكب أخطاء. فعلى سبيل المثال، قد يرتد فرض الرسوم الجمركية التجارية بنتائج عكسية. كما أن استعداء بعض الحلفاء التاريخيين لأمريكا قد يدفع بهم إلى الارتماء في أحضان #روسيا والصين. هو أبعد ما يكون عن الكمال، لكن الإجراءات التي اتخذها حتى الآن عادت بمنافع مهمة على الأمريكيين.

يأتي على رأس أولوياته تأمين فرص في قطاع الأعمال، وخلق فرص عمل، وتعزيز البورصة. فيما أخط هذه السطور، يشهد الاقتصاد الأمريكي طفرة لم يعرف لها مثيلاً من قبل. فقد سجّلت الأسواق أرقاماً قياسية جديدة. وثقة المستهلكين قوية. وتحقق الشركات زيادة في أرباحها.

البطالة منخفضة مع نسبة 3.7 في المئة فقط. الشهر الماضي وحده، استُحدِثت 250000 وظيفة جديدة. وساهمت الزيادات في الرواتب وتخفيضات الضرائب في ارتفاع الدخل القابل للتصرف. يعود الاقتصاد الأمريكي السليم والمعافى بالفائدة على العالم بأسره، لأنه عندما تعطس #واشنطن يصاب العالم بالزكام، وخير دليل على ذلك ما حدث خلال الأزمة المالية عام 2008.

اليوم، أنصح الأمريكيين من جديد، وبكل احترام، بأن يُقدّموا كامل الدعم للقائد الأعلى. تتجلى الانقسامات السياسية بقوة داخل البلاد. يتعين على وسائل الإعلام أن تخفف من حدّة هجماتها المتواصلة التي لا بد من أنها تشتّت انتباه الرئيس عن المسائل المهمة وتضعه في موقف دفاعي.

وعلى #الكونغرس أن يتحلى بالحكمة ويمتنع عن التورط في الصراع الحزبي الذي يقود على الأرجح إلى طريق مسدود بعدما بات الديموقراطيون يسيطرون على مجلس النواب. ينبغي على المشترعين، سواءً كانوا ديموقراطيين أو جمهوريين أو مستقلين، أن يتعاونوا ويتفاوضوا من أجل التوصل إلى تسويات بما يصب في مصلحة الدولة وشعبها. لن تُهزَم أمريكا أبداً على أيدي عناصر خارجيين، لكن إذا خرجت الكراهية الداخلية عن السيطرة، فثمة خطرٌ بأن تنفجر من الداخل.

الرئيس ليس ديكتاتوراً. لقد اختاره الشعب. الولايات المتحدة دولة ديموقراطية تمتلك ضوابط وتوازنات تتجسّد من خلال #الكونغرس والسلطة القضائية. إذا كانت غالبية الناخبين غير راضية بعد عامَين من الآن، يمكنها أن تعبّر عن رأيها في صناديق الاقتراع. في الانتظار، دعوه ينجز عمله بسلام. فالانتقادات المستمرة للبيت الأبيض لن تؤدّي سوى إلى تحقيق مآرب شخصية ضيّقة.

ينبغي على قادة العالم أن يتقبّلوا هذا الواقع الترامبي الجديد. لم تعد أمريكا مستعدة كي تكون عكّازاً مالياً عالمياً. إنه بمثابة نداء يقظة لعدد كبير من الدول كي تهتم بشؤونها الخاصة بغية الاتكال على نفسها، وهو هدف جيد. يلوح في الأفق حلف عربي على طريقة #الناتو. ويدعو قادة الاتحاد الأوروبي إلى تشكيل جيش أوروبي.

كان الأمريكيون يعرفون مَن هو #ترامب قبل انتخابه. فهو لا يتورّع عن المجاهرة علناً بمواقفه. عملية صنع القرارات هي عملية حازمة لا تردُّد فيها. لقد كشفت الطريقة التي تعاطى بها مع الأزمة النووية في #كوريا_الشمالية، عن شجاعة حقيقية لديه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى موقفه ضد العدوان الإيراني، على الرغم من الاعتراضات من #أوروبا وروسيا والصين والأمم المتحدة.

هو يفعل ما يعتبره صحيحاً لأمريكا في وجه الاحتجاجات الحاشدة، مظهراً شجاعة لم تتوافر لدى بعض الأشخاص الذين تسلّموا سدة الرئاسة قبله. سواءً كنتم تحبونه أم لا، هو من وجهة نظري يستحق فرصة. كفى مضيعةً للوقت على الأمور الصغيرة! الأساس هو أن يفي بوعوده، فهذا هو المهم.

تعليق (0)
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. البريد الإلكتروني لن يتم عرضه ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى