عندما سمعت عبر شبكة "فوكس نيوز" أن #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية وقّعت اتفاقاً سرياً يُجيز لإيران أن تفرض رقابة ذاتية على واحد على الأقل من مواقعها النووية الكبرى، لم أصدّق الخبر واعتبرت أنه من نسج مخيّلة جامحة. إنه لأمر غير معقول أن توافق الوكالة المسؤولة عن مراقبة السلاح النووي في العالم، والمعروفة بمهنيتها ورقابتها الصارمة، على أمرٍ بهذه الغرابة - أو هذا ما اعتقدته في البداية.
لا شك في أن #العراق الذي جرى تفكيك أنشطته النووية، المدنية والعسكرية على السواء، في أعقاب #حرب_الخليج، لم يتمكّن من الإفلات بهذه السهولة. فحتى بعد سنوات من عمليات التفتيش التطفلية، أحجمت #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية بإدارة #محمد_البرادعي، عن تسليم مجلس الأمن الدولي تقريراً يثبت، عن استحقاق، خلو #العراق من الأسلحة النووية قبل الاجتياح الذي قادته #الولايات_المتحدة.
أما جمهورية #إيران الإسلامية التي تشغّل الآلاف من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم بمعدلات تتخطّى المستويات المسموح بها للأغراض المدنية، والتي رفضت تبييض صفحتها في ما يتعلق بأنشطتها النووية السابقة، فتحظى بالثقة لممارسة تفتيش ذاتي!
يا للمخيلة الواسعة التي تتمتع بها #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية. قد نشهد قريباً على قرار يسمح للسائقين الذين يُشتبَه بقيادتهم تحت تأثير الكحول، بأن يقوموا بأنفسهم باختبار مستويات الكحول لديهم. علاوةً على ذلك، وبما أنه بات الأئمة الذين يرفعون شعار "الموت لأمريكا"، يُعتبَرون فجأةً جديرين بالثقة، ربما كان بالإمكان تجنّب أعوام من المفاوضات. كان يمكن الاكتفاء بشهادة موقّعة من المرشد الأعلى.
ثمة ما يثير الريبة في هذه المسألة.وما يثير الشكوك أيضاً هو زعم إدارة #أوباما بأن #الولايات_المتحدة لم تكن طرفاً في هذا الاتفاق الهزلي الخاص بمجمّع بارشين العسكري - المعروف بـ"الترتيب المنفصل 2" - عندما جرى إقراره من مجموعة الدول الخمس زائد واحد.
أكّد متحدث باسم #البيت_الأبيض أن الإدارة "مرتاحة" لبنود الاتفاق الجانبي السرّي بين #إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. هل علينا أن نفترض أن الوكالة اعتمدت هذه المقاربة الخطرة والواهنة من تلقاء نفسها؟
بحسب نسخة مسرّبة من هذا "الترتيب المنفصل" نشرتها وكالة "#أسوشيتد_برس"، #إيران ملزمة بتزويد #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية بصور فوتوغرافية وأشرطة فيديو عن المواقع المختلفة داخل مجمع بارشين، فضلاً عن عيّنات بيئية. يبقى السؤال، كيف يمكن التحقق من هذه الصور والتسجيلات والعينات المتعلقة بمجمع بارشين وحتى لو كانت صحيحة، من يمكنه أن يجزم بأنها ليست انتقائية وتكشف جانباً واحداً من الحقيقة؟
تبدو تطمينات الرئيس #أوباما بأن الأنشطة الإيرانية ستخضع لـ"تدقيق غير مسبوق"، جوفاء أكثر من أي وقت مضى. #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية ممنوعة منذ عام 2005، من دخول موقع بارشين الذي يُشتبَه بقيامه باختبارات مرتبطة بالأسلحة النووية، والآن جرى الاتفاق على إغلاقه أمام التفتيش لأجل غير مسمّى، وهذا غير منطقي على الإطلاق.
يدفعني هذا الاستسلام من جانب #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية، إلى الاعتقاد بأنها مسيّسة على غرار عدد كبير من الهيئات الأخرى التابعة للأمم المتحدة؛ ففي المسألة الإيرانية، صاغت الوكالة استراتيجياتها، التي تُعتبَر راسخة ومتينة في العادة، بما يتناسب مع المآرب السياسية. أياً كانت الطريقة التي يصوّرون بها الأمور بهدف التضليل والتشويش، من الواضح أننا لسنا أمام "نظام التفتيش الأكثر صلابة" الذي تتباهى به إدارة #أوباما.
انتقدت #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية تقرير "#أسوشيتد_برس" واصفةً إياه بـ"المضلل". بيد أن مدير عام الوكالة يوكيا أمانو لم ينكر مضمون النسخة المسرّبة. فقد أصرّ على أن الترتيبات تنسجم مع الممارسات التي تنتهجها الوكالة منذ وقت طويل، فيما شدّد على أنه "ملزَم قانوناً بعدم نشرها على الملأ". لا يبقى لنا سوى التساؤل لماذا يُمارَس هذا التعتيم بحق الرأي العام، والمشرعين الأمريكيين أيضاً على حد سواء.
يعرف الأشخاص الذين يواظبون على قراءة مقالاتي أنني لطالما عارضت منذ البداية هذا الترتيب غير المرضي، لا سيما بسبب محدودية نطاقه. فكي يكون الاتفاق مقبولاً، يجب أن يشترط على طهران التوقّف عن إفتعال المشاكل وعن محاولتها قلب الحكومات وأنظمة الحكم في مختلف أنحاء المنطقة.
تعكس آرائي، في شكل عام، آراء عدد كبير من الدول المجاورة لإيران التي تخشى، عن حق، أن يؤدّي رفع العقوبات إلى تدفّق الأموال الإيرانية إلى أيدي عملاء #إيران المسلّحين في المنطقة.
لقد تصدّى الرئيس #أوباما مراراً وتكراراً لمخاوفنا بحجّة أن كبح الأطماع النووية الإيرانية لمدة عشر سنوات أفضل من عدم توقيع اتفاق. إعتبرت آنذاك أن حججه لا تتمتع بالمصداقية، لكن الآن بعد ظهور اتفاقات سرية جانبية، تعزّزت شكوكي بأنه يجري تمكين #إيران عمداً في سياق مخطط جيوسياسي.
أودّ أن أعرف لماذا يُقابَل هذا الكيان الذي يعادي القوى الغربية وحلفاءها منذ نشوئه عام 1979، بالمكافأة على رعايته للتنظيمات الإرهابية وسعيه إلى بسط نفوذه في المنطقة. أم أن هذه العداوة مع الغرب هي مجرد خدعة لاستغفالنا؟
تتطلع العواصم الأوروبية إلى إبرام صفقات تجارية مربحة، وتخطّط لإعادة فتح سفاراتها في طهران. يُتوقَّع أن تتوسّع التجارة الإيرانية-الروسية إلى حد كبير. وتتّجه صناعة النفط الإيرانية نحو زيادة إنتاج النفط الخام بما يؤدّي إلى العودة إلى المستويات الإنتاجية قبل العقوبات، ما قد يؤدّي إلى مزيد من الانهيار في أسعار النفط، وبالتالي تفقد صناعة التكسير الهيدروليكي الأمريكية تنافسيتها.
الحملة الترويجية التي يشنّها #أوباما غير نافعة، على الرغم من إطلالاته المتكرّرة عبر الشبكات الإخبارية الأمريكية من أجل التسويق للاتفاق بكل ما أوتي من قوة، والضغوط الشديدة التي يمارسها على #الكونغرس. حتى إنه لجأ إلى مناشدة الشعب الأمريكي بالضغط على ممثّليه في #الكونغرس للتصويت بـ"نعم"، لكنه لا يحرز أي تقدّم. فقد أظهر استطلاع آراء صدر مؤخراً عن "سي إن إن/أو آر سي"، أن 56 في المئة من الأمريكيين يريدون من #الكونغرس رفض الاتفاق.
يتعهّد جميع الجمهوريين الطامحين للفوز بالرئاسة، ما عدا #جيب_بوش الذي لم يحسم موقفه، بإلغاء الاتفاق وفرض العقوبات من جديد؛ فيما يحاول معظم خصومهم الديمقراطيين أن ينأوا بأنفسهم عن المسألة.
أمام #الكونغرس 60 يوماً لحسم القضية، ومن المتوقّع أن يصوّت في مطلع الشهر المقبل على "قرار عدم الموافقة". إذا لم يصب التصويت في مصلحة الرئيس، بإمكان #الكونغرس نظرياً أن يمنعه من رفع العقوبات عن #إيران. لقد لوّح #أوباما باستخدام حق الفيتو الذي يتمتع به، ما يُهدّد بنشوب نزاع بين #البيت_الأبيض والكونغرس. في حال عارض ثلثا #الكونغرس الاتفاق، وهو أمر مستبعد يتطلب انضمام الديمقراطيين إلى فريق المعارضين، يسقط فيتو الرئيس تلقائياً.
عمد الرئيس #أوباما إلى ترهيب حلفاء أمريكا في #الشرق_الأوسط واستمالتهم، كما أنه يحاول استمالة الشعب الأمريكي، ويمارس ضغوطاً شديدة على #الكونغرس لحمله على الموافقة على الاتفاق، إلى درجة أن سلوكه انحرف عن الأصول. إرثه على المحك. آمل بأن يُظهر المشرعون في #الولايات_المتحدة أنهم على قدر المسؤولية، كي لا يُحكَم علينا بدفع الثمن في هذا الجزء من العالم.