سيدي الرئيس،
تحية وبعد،
من أهم المزايا التي يجب أن يتحلّى بها القائد القدرة على اتّخاذ قرارات سريعة، وحتى صعبة؛ وكذلك القدرة على العودة عن قرارات سيّئة سبق أن اتّخذها من دون الشعور بالندم أو الغضب. فالانتقاد، لا سيما انتقاد الذات، وقبول الخلاصات المنطقية والرجوع عن القرارات الخاطئة تضفي على القائد خصالاً إنسانية فضلاً عن خبرة عميقة ونضوج.
لقد تسبّب #الاجتياح_الأمريكي للعراق بخسائر مادّية ضخمة وسقوط عدد كبير من الضحايا الأبرياء من نساء وأولاد وعجّز. وكانت الحصيلة مرتفعة أيضاً في صفوف قوّات الحلفاء، فقد دفع الجنود حياتهم ثمناً لحرب جنونية من دون أن يفهموا الأسباب التي تقف خلفها، فتساووا في ذلك مع الأبرياء والصامدين في العراق. ستستمرّ المجازر بحق الأبرياء، وسيزداد الدمار إذا أمعنتم في تنفيذ قراراتكم الخاطئة والآثمة.
سيدي الرئيس، علّمتنا دروس التاريخ بأن العراق لا يمكن أن يحكمه سوى شعبه الذي يستمدّ قوّته من تراب بلاده وحضارته القديمة، من دجلة والفرات، والتقاليد التي تعود إلى قرون خلت والتطلّعات نحو المستقبل. لم يعرف العراق قط قادة مستوردين ومعيّنين يحكمون بالوكالة أو الانتداب. لطالما تمرّد العراق على الإذلال. من يريد أن يحكم هناك عليه تلبية بعض الشروط، ومنها التمتّع بقدرات استثنائية؛ وخير مثال على ذلك الحجاج بن يوسف، ثم عبد الكريم قاسم بعد قرون عدّة، ومؤخراً صدام حسين. أسماء هؤلاء الرجال محفورة في التاريخ العراقي، بأحرف مضيئة أم مظلمة. لكن القيادة الجديدة التي تُفرَض الآن على البلاد لن يكون لها أيّ تأثير على مسار الأحداث في العراق. هذا البلد هو مكوِّن مهم في الحضارة العربية والإسلامية، وسوف يقاوم بشدّة أي قيادة مصطنعة لا تنتمي إلى العروبة أو تتبنّاها.
سيدي الرئيس، منصبكم على رأس الولايات المتحدة يجعل منكم الرجل الأقوى نفوذاً على وجه الأرض. أنتم تملكون السلطة للتحكّم بالأحداث في البر والبحر وحتى في الفضاء. وأنا على يقين من أنكم تتحلّون، انطلاقاً من موقعكم النافذ هذا، بالشجاعة للإقرار بأخطائكم، وبالتالي تجنيب القوات الأمريكية والحليفة تكبّد مزيد من الخسائر، والتوقّف عن ارتكاب مزيد من المجازر بحق المواطنين العراقيين الأبرياء. سيكون قراراً تاريخياً، قرار رجل شجاع يخاف الله. ولن يُعتبَر قراراً جباناً أو مخزياً.
يجب أن يتحلّى القائد التاريخي بالشجاعة للإقرار بأخطائه، وهذه نقطة تُسجَّل في رصيده لا ضدّه. من شأن خطوة كهذه أن تلقى الاحترام والتقدير في مختلف أنحاء العالم. سوف تشكّل بداية حقبة من التفاهم والتعاطف بين شعوب البلدان الأخرى من جهة والشعب الأمريكي الذي فُطِر على الطباع الجيدة من جهة أخرى، وكان موضع تقدير شديد قبل السياسات العدوانية التي تنتهجونها في العالم والحرب التي تخوضونها في العراق.
سيدي الرئيس، أنصحكم بأن تقرّوا بما هو واضح وبديهي وتقبلوا به. ليس مسموحاً أن تُعادوا شريحة مهمّة وأساسية من الشعب العراقي أو تتنكّروا لها أو تواصلوا عدوانكم عليها، وأنا أقصد بذلك المواطنين العرب في العراق. فالحكم هو خبرةٌ إنما أيضاً الإرث المكتسَب عبر عقود في السلطة. لطالما كان عرب العراق ويجب أن يبقوا العمود الفقري لأي حكومة ترى النور في المستقبل. من شأن السماح للبلاد باستعادة نمطها المعهود في الحكم أن يجعل أرض دجلة والفرات البلد الأكثر سلاماً واستقراراً على وجه الأرض. إنها خطوة شجاعة واستثنائية تمليها الظروف في العراق، وسوف تمهّد الطريق لعلاقة طبيعية وسلمية بين شعبكم وشعب العراق. (نظراً إلى الانقسامات المذهبية التي تعتمل في العراق، أجد نفسي مضطراً إلى التوضيح بأنه على الرغم من أنني لا أميّز بين فروع الإسلام، يجب أن أسمّي الوقائع السياسية والتاريخية بحسب توصيفها الحقيقي).
سيدي الرئيس، قد لا توافقون، لأسباب شخصية، على نظريّتي، لكنني أنصحكم بقوّة بالعمل من أجل التوصّل إلى تسوية للنزاع. إذا أردتم أن تكون هذه التسوية فعلية ودائمة وقابلة للتطبيق، يجب توقيع اتّفاق مع القوميين العرب في البلاد. فجذورهم هي الأكثر رسوخاً في أرض العراق الحبيبة. وتعود أصولهم إلى حقبة الخلفاء الأوائل. وعلى هذا الاتفاق ألا يغفل أو يمس بأي طريقة من الطرق حقوق الأقليات الأخرى في البلاد، إذ إن القومية العربية جامِعة بطبيعتها، وتستطيع استيعاب آمال وتطلّعات الشعب العراقي بمختلف أطيافه. أقدّم لكم هذه النصيحة مجاناً، وليس لي من غاية سوى رغبتي الصادقة في إنقاذ الشعب العراقي الصامد وجنود الائتلاف الذين يموتون عبثاً.
ختاماً، اسمحوا لي أن أضيف أن تاريخ العراق وثقافته، فضلاً عن موقعه الجغرافي المهم، تستحقّ منكم التفاتة جدّية ورؤية واضحة وفاعلة. لقد أدّى الخداع السائد حالياً إلى اختراع رموز للسلطة وتعيين دمى لا يتمتّعون لا بالمعرفة ولا بالروابط التاريخية لحكم العراق، كما أنهم يمارسون التمييز بحق شعبهم ويحاولون تدمير الهوية الحقيقة للبلاد.