طوال حياتي كنت معجباً بقدرة اللبنانيين على النهوض سريعاً من الأزمات التي من شأنها أن تشل تقدم أي من البلاد الأخرى لعقود متوالية لو كانت قد حدثت فيها. الحرب الأهلية والإجتياحات والصراعات والتناحر #السياسي الداخلي كلها أمور إبتلى بها #لبنان لعقود عديدة. وعلى الرغم من التكلفة الباهظة التي دفعها #لبنان من أرواح أبنائه فإن عزيمة الشعب اللبناني ظلت عصية على التدمير.
#لبنان، هذا البلد الصغير المطل على مياه المتوسط من المفترض نظرياً أن يكون محط حسد الجميع. كما أن مقومات #لبنان التي تؤهله ليكون أفضل البلدان في الشرق الأوسط من طبيعة غنية وجميلة ومتنوعة وشعب متعلم ومبادر ومحب للحياة إلى أبعد مدى لا حدود لها. ولكن هذه العوامل بعينها للأسف تحرم #لبنان من الاستفادة من هذه المقومات التي أكرمه بها الله.
شغفي العميق والقديم بلبنان يعرفه القاصي والداني. ومنذ أول مرة وطأت فيها قدماي أرضه في السبعينيات شعرت برابطة خاصة تجمعني بشعبه الودود والمضياف الذي كان له إسهامه الكبير في الحضارة الإنسانية والذي أثبت مراراً وتكراراً تضامنه مع قضايا أشقائه العرب.
وحين تحط بي الطائرة في مطار رفيق الحرير الدولي يراودني دوماً شعور "العائد للوطن" على نحو ما أحس به كل مرة اعود بها إلى الإمارات العربية المتحدة.
وإيماني الراسخ بهذا البلد الرائع هو الذي كان الدافع على الدوام وراء رغبتي في الاستثمار بقوة في مستقبله وليس من أجل الأرباح المتوقعة. نعم، أنا رجل أعمال ولكن هذا لا يعني أن عواطفي قد لا تقودني في بعض الأحيان. ولهذا، ولكوني إنساناً يخالجه حب أصيل للبنان، أجد أن من واجبي أن أشير إلى الأخطاء التي تعيق مسيرته نحو تحقيق مكانته المستحقة.
أولاً، يجب إعادة النظر في نظام الحكم في #لبنان القائم على المحاصصة حيث توزع السلطات السياسية بين الطوائف وفقا لتعدادها السكاني. وهذا النظام هو أبعد ما يكون عن أن يجمع شعب #لبنان المتنوع تحت راية واحدة، وإنما يستديم الحالة الطائفية ويمنع أكثر الكفاءات المناسبة لشغل المناصب العليا في الدولة من الوصول إليها. اللبنانيون يتميزون بوطنيتهم واعتزازهم بهذا الانتماء الوطني غير أن نظاماً مصمماً لتوحيدهم تحت رايات دينية مختلفة لا يسهم في إضعاف الوحدة الوطنية فحسب بل ويضعف المبادئ الديمقراطية المحضة.
ثانياً، #لبنان دولة صغيرة يزيد عدد سكانها بقليل عن أربعة ملايين نسمة، ولهذا فإن عليه أن يعتمد سياسة الحياد شأنه في ذلك شأن سويسرا التي حافظت على سلامتها على الرغم من اندلاع حربين عالميتين. لقد ضحى اللبنانيون بما يكفي حتى الآن. وحان الوقت للدول الأخرى لتتوقف عن استخدام الأراضي اللبنانية لتكون ميداناً للإقتتال وشن حروب بالوكالة تركت آثاراً مدمرة على الشعب اللبناني فيما ظل مواطنوها محميين من أي عواقب سلبية عملياً.
ثالثاً، على كل الساسة اللبنانيين دون استثناء الاهتمام أولاً بمصالح بلدهم دون الرجوع إلى القوى الأجنبية المتصارعة التي لا ينبغي أن يكون لها أي كلمة في تحديد سياساته الداخلية أو الخارجية. ما دام أن هناك مسؤولين ووزراء ونواب يقبلون الإملاءات الخارجية فسيبقى #لبنان متأثرا بقرارات تتخذ في عواصم بعيداً عنه.
رابعاً، صحيح أن من الطبيعي أن يكون للساسة آراء مختلفة- وهذا ما يحدث في كل مكان في العالم- غير أن مثل هذه الاختلافات في #لبنان تصبح مادة لسجالات عدائية بدلاً من الجدالات المنطقية. وهذه المساجلات العدائية غالباً ما تعرض للعامة عبر شاشات التلفزيون حيث يشن الساسة هجمات شخصية على بعضهم البعض ولا يشعرون بالغضاضة في استخدام لغة جارحة. ومثل هذه المهاترات الحامية تقضي على مصداقية أولئك المشاركين فيها ولهذا يجب أن تتم بعيداً عن الأضواء أو في جلسات نيابية مغلقة.
لا أفهم السبب وراء عجز ساسة #لبنان عن مقاومة رغبتهم في نشر آرائهم علناً على العامة بغض النظر عما إذا كانت هذه الآراء مضرة بمصالح البلاد الأمنية والاقتصادية. كما أعجز أيضاً عن فهم وجود كل هذا الكم الهائل من "الخبراء" الجاهزين دوماً للخروج على شاشات التلفزيون دون تمييز لتقديم آرائهم عن أحداث من مثل سقوط طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية فيما هم ليسوا أصحاب خبرة تقنية أياً كانت.
الإعلام اللبناني مستعد دوماً بتوفير منصة لمن لا يعرفون شيئاً ولبعض الساسة الذين لا هم لهم إلا كسب الشعبية عبر التحريض والإثارة. كلنا مع حرية التعبير ولكن ما يفعله المعلقون هو تدمير بلدهم بتوقعاتهم المخيفة عن حرب محتملة قريباً بناء على مجرد شائعات وهذا شيء آخر ينبغي لجمه بشدة. وإن لم يكن الإعلام قادراً أو مستعداً لأن يتصرف بمسؤولية فيجب على السلطات أن تتدخل.
الثقة والاستقرار هما الأساسان الذي ينبغي على #لبنان حمايتهما من أجل جذب الاستثمارات والسياحة الخارجية وهما أمران بالغا الأهمية لاقتصاده. وغيابهما أسفر عن بقاء الفنادق نصف فارغة هذا الصيف. صحيح أن اللبنانيين المغتربين يعودون بكثرة لقضاء إجازاتهم في #لبنان، وهذا أمر مفرح، ولكن بالإضافة إلى المغتربين، أين هم السياح والزوار من أصحاب معدلات الإنفاق الكبيرة من الدول العربية وغيرها؟ أين هم المستثمرون الأجانب من أصحاب الأفكار لمشاريع جديدة والمهتمين بالبحث عن الفرص الاستثمارية وشراء العقارات؟
يؤسفني القول إن اللبنانيين هم ألد أعداء أنفسهم. #لبنان هو مثل "جمل هجره أهله ورسنه على ظهره"، كما يقولون. والأمر بإنتظار السلطات الدستورية والحكومة لتبدأ بممارسة دورها في المراقبة والتدخل حين الضرورة للجم هذه العناصر المسيئة مهما كان مركزها ونفوذها.
#لبنان قادر على أن يكون، بل ويجب أن يكون "جنة الله على الأرض" وقلبي مفعم بالأمل بأن تتوحد جهود الحكومة والشعب في #لبنان في سبيل تحقيق هذا الأمل.