لماذا نجد أن محكمة مكلفة بتولي جلب كل أولئك الذين يزعم بارتكابهم لجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو التطهير العرقي أينما كانوا في العالم إلى #العدالة لا تلاحق سوى غير الغربيين؟ منذ تأسيس المحكمة الجنائية #الدولية في لاهاي عام 1998، اكتفت هذه المحكمة بالتحقيق في "حالات" وقعت على الأراضي الإفريقية في أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى وكينيا ومنطقة دارفور السودانية.
لا شك في ضرورة توسيع تفويض المحكمة الجنائية #الدولية وزيادة صلاحياتها في عالمنا الذي تعرض في الكثيرون للقتل والعاهات والسجن دونما سبب والتعذيب والنزوح والتجويع فيما نرى مدبري هذه الجرائم يتمتعون بالحصانة. ولكن حتى تكون #العدالة #الدولية ذات معنى وليست مجرد كلام فارغ يجب أن تكيل للجميع بمكيال واحد. وأي شيء أقل #من ذلك ليس سوى تسخيفاً للمبادئ التي قامت عليها المحكمة الجنائية #الدولية. ولهذا، فإما أن تعطى المحكمة الجنائية صلاحية محاكمة كل أولئك المشتبه بارتكابهم جرائم تخضع لاختصاصها القضائي أو أنها يجب أن تغلق أبوابها وتتوقف عن العمل.
الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي أنان، قال ذات مرة إنه يأمل بأن المحكمة "ستردع مجرمي #الحرب في المستقبل وتقرب اليوم الذي لا يعود فيه أي حاكم أو دولة أو طغمة حاكمة أو جيش في أي مكان قادراً على انتهاك حقوق الإنسان مع الحصانة #من العقاب."
غير أن هذه الأماني لم تصل إلى أي شيء. على الجانب العملي، المحكمة الجنائية #الدولية لا حول ولا قوة لها حين يكون المتهم سمكة قرش كبيرة فيما تصبح قوة ضارية وهي تلاحق الفراخ الضعيفة. وما يذهلني هو ذلك الصمت المطبق إزاء هذا الحيف السافر الذي تمارسه محكمة يفترض بها أن تدافع عن حقوق الضحايا أينما كانوا. بل إن #من المفترض بمحكمة دولية أن تكون قدوة للمحاكم الوطنية. وتخيلوا معي الغضبة الشعبية لو أن الحكومة البريطانية قررت أن محكمة أولد بيلي اللندنية بمقدورها محاكمة رعايا دول معينة فقط وأن توفر لغيرهم الحصانة #من الملاحقة القانونية.
في 12 يوليو الحالي أصدرت المحكمة الجنائية #الدولية مذكرة جلب ثانية بحق الرئيس السوداني عمر البشير على زعم أنه يتحمل مسؤولية جنائية بصفته الشخصية الفردية عن جريمة التطهير العرقي في دارفور بالإضافة إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما طالب المدعي العام في المحكمة لويس مورينو أوكامبو الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي العمل على ضمان اعتقال الرئيس البشير وإحضاره للمحاكمة. حماسة المدعي العام هذه تستحق الثناء ولكن المستغرب هو سبب عدم شمول هذا الحماس لزعماء آخرين الذين قد تكون أيديهم ملوثة بدماء الأبرياء.
الحقيقة هي أن أيدي أوكامبو وزملائه مغلولة لأن المحكمة الجنائية #الدولية مخولة بفتح تحقيق إذا ما تحقق واحد #من ثلاثة شروط: أن يكون المتهم #من رعايا دولة موقعة على ميثاق المحكمة أو أن تكون الجريمة المزعوم ارتكابها قد وقعت على أراضي دولة موقعة على ميثاق المحكمة أو أن تحال القضية إلى المحكمة #من قبل مجلس الأمن الدولي.
وهذه الشروط تشكل عملياً قيداً ثقيلاً على المحكمة حيث تجعل #من رعايا معظم الدول الكبرى معفيين #من الخضوع لسلطتها القضائية. وعلى سبيل المثال، رفضت ثلاث #من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وهي الصين وروسيا والولايات المتحدة التوقيع على ميثاق المحكمة (صحيح أن الولايات المتحدة وقعت معاهدة روما غير أن لم تقبل حتى الآن المصادقة عليها). وبالتالي يمكنها استخدام حق النقض لحماية رعاياها ورعايا حليفاتها بطبيعة الحال #من إحالتهم للمحكمة الجنائية #الدولية.
وهذا هو السبب الأساسي الذي مكن الرئيس السابق جورج بوش وغيره #من مسؤولي إدارته #من تجنب تعرضهم للمحاسبة على تسببهم في مقتل أكثر #من مليون مواطن عراقي بسبب #الحرب التي أضرموا نارها بذرائع كاذبة. ويذهلني أن إنساناً تسبب بكل هذا الدمار الهائل- ويترأس تداعياً اقتصادياً هائلاً- يتمكن أن ينجو بجلده أن مواجهة أي عواقب.
وكان المدعي العام للمحكمة الجنائية #الدولية قد اعترف في رسالة نشرت في 10 فبراير 2006 إن #من المحتمل أن تكون جرائم حرب قد حدثت في العراق غير أن تلك الجرائم التي يزعم أنه قد ارتكبها رعايا الدول الموقعة على ميثاق المحكمة ليست خطيرة بما فيه الكفاية لفتح تحقيق. وبمعنى آخر كان يريد القول إن المحكمة الجنائية #الدولية ليس لها سلطة قضائية للتحقيق في جرائم ارتكبها أمريكان على أرض دولة غير موقع على ميثاق المحكمة. غير أن هذا لم يكن ليفسر بطبيعة الحال سبب عدم ملاحقة رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير الذي وقعت بلاده على ميثاق المحكمة.
بلير كان شريكاً لبوش في تدمير هذه الدولة العربية العريقة. بل إن التحقيق في حرب العراق الجاري حالياً في لندن يوفر أدلة على أن بلير قد تعمد تضخيم خطر الأسلحة العراقية وأنه كان مدركاً لكون الغزو غير قانوني في ظل غياب قرار #من مجلس الأمن الدولي يسمح باستخدام القوة. كما تظهر أدلة أيضاً على أن جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني في عهد بلير كان متواطئاً في تسليم المقاومين وتعذيبهم واعتقالهم بشكل غير قانوني. ومع ذلك نجد أن بلير منذ استقالته #من منصبه وهو يحصل على المكافآت والمناصب الرفيعة والأجور المجزية مقابل إلقائه الخطب هنا وهناك.
هذه القيود المفروضة على المحكمة الجنائية #الدولية ما هي إلا دليل على حقيقة نعرفها جميعاً مسبقاً وهي أن القانون الدولي ليس له معنى حين يتعلق الأمر بالقوى الكبرى وحلفائها. وفيما نرى أن الرئيس البشير يجازف باحتمال تعرضه للاعتقال لو غادر السودان يتلقى #مجرمو #الحرب الإسرائيليون معاملة الأطفال المدللين في عواصم الغرب التي لا تريد أن تغضب الولايات المتحدة. وأكبر مثال على ذلك هو رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الذي اتهمته لجنة تحقيق #من إسرائيل نفسها بالمسؤولية غير المباشرة عن مذبحة صبرا وشاتيلا في لبنان ومع ذلك كان البساط الأحمر يمد له في واشنطن وغيرها.
ومؤخراً أبلغت الحكومة البريطانية مسؤولين إسرائيليين كبار كانوا يعتزمون زيارة بريطانيا بأن #من المحتمل إلقاء القبض عليهم لو فعلوا بسبب دعاوى قضائية رفعها أفراد ضدهم. وفي العام الماضي أصدرت محكمة بريطانيا مذكرة اعتقال بحق وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني بتهمة ارتكاب جرائم حرب غير أن حكومة براون ضغطت #من أجل إلغائها. واليوم تحاول الحكومة الائتلافية الجديدة في بريطانيا تعديل قانون المسؤولية القضائية العالمية بحيث يمكن للمسؤولين الإسرائيليون السفر دون خشية #من شيء.
بل إن وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ قال "لا يمكننا أن نقبل بوضع يجد فيه الساسة الإسرائيليون أنهم غير قادرين على زيارة بلدنا." وبالطبع فإن هذه المخاوف لا تطال أيضاً الرئيس عمر البشير باعتباره رئيساً لدولة عربية. ذلك أن الزعماء العرب مسموح بأن يصبحوا ألعوبة كما رأينا حينما أرسلت قوات الاحتلال الأمريكية الرئيس صدام حسين إلى محكمة هازلة لتحكم عليه بالإعدام شنقاً. إن لم تقف الدول العربية مع الرئيس البشير اليوم فسيكون التطور الطبيعي اللاحق هو أن ننتظر لنرى أياً #من الرؤساء العرب سيأتي عليه الدور ليصبح على قائمة المطلوبين للمحكمة الجنائية #الدولية.
وهذا الانحياز السافر أصبح أكثر جلاء حينما تجاهل مجلس الأمن الدولي توصية تقدم بها تقرير غولدستون بإحالة بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى المحكمة الجنائية #الدولية لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حربهم على غزة، مثلما تجاهل لاحقاً الهجوم الإسرائيلي على سفينة المعونات التركية في المياه #الدولية وتواصل الحصار الإسرائيلي غير الشرعي على غزة.
الخلاصة هي أن هناك قانون واحد يحكم المجتمع الدولي: القوة هي الحق. وادعاء كل ما هو غير ذلك ليس سوى نفاق. سيحزنني أن أرى الرئيس السوداني يساق إلى لاهاي دون أن تكون مقاعد الاتهام جاهزة أيضاً لبوش وبلير وبنيامين نتنياهو. وإن صدق الكاتب جوناثان سويفت حين قال في أحد كتاباته إن "القوانين هي كشباك العنكبوت التي يمكن أن تصيد الذباب الصغير بينما تتمكن اليعاسيب والدبابير #من اختراقها دون أن تعلق بها" فإن تلك القوانين والنظام القضائي الذي يعمل وفقها ينبغي تغييرها.